قيم باب الحارة
مقدمة
يطلق مصطلح (العمل الإبداعي) على القصة و الشعر و الرواية و المسرح و الفيلم و الدراما الإذاعية و التلفزيونية و بعض الفنون الأخرى و لم نعتد إطلاقه على المقالة أو على البحث العلمي .. فما مبرر هذه القسمة الضيزى؟ .. ألا يمكن أن نجد في المقالة إبداعا ؟ ألا يمكن أن نجده في البحث العلمي أيضا؟ .. ما المشترك الذي يجمع بين الأعمال التي يطلق عليها هذا المصطلح ؟ .. ألسنا في حاجة لإعادة النظر في هذا المصطلح؟ و انه من الأنسب أن نستبدله بالعمل الخيالي؟ إذ أن المشترك بين هذه الأعمال التي يطلق عليها مصطلح العمل الإبداعي (باستثناء الموسيقى طبعا و بعض الفنون التشكيلية) اعتمادها الخيال حتى و إن حاولت تقديم الواقع مثل الأفلام و المسلسلات و الروايات التاريخية .. و دليل كونها خيالية أننا لا نستطيع الاعتماد عليها في استقاء معلوماتنا التاريخية عن المرحلة التي تقدمها لعدم ثقتنا المسبقة في مصداقية ما تقدمه .. و ليس ذلك بمطعن إذ لا أهمية هنا للصدق أو الكذب .. أما المقالة و البحث العلمي فأنهما ينأيان بنفسيهما عن الخيال .. و إن استخدماه فبطريقة مختلفة تماما و يكون خاضعا لمعايير الصدق و الكذب .. هذه مقدمة رأيتها ضرورية لتقديم المصطلح البديل الذي يمكن أن يحل محل العمل الإبداعي إلا فيما تم استثناؤه .. و من بين عناصر فئة الأعمال الخيالية التي تختلف فيما بينها نجد الدراما و التي من بين سماتها المميزة التقاؤها مع الشفرة في نقطة و مع الصحافة في نقطتين .. فأما نقطة التقائها مع الشفرة فحرصها على تقديم رسالتها بوضوح و غموض أيضا .. فكما ينبغي للشفرة أن تكون واضحة ليفهمها الصديق و غامضة لكي لا يفهمها العدو ينبغي للدراما أن تقدم رسالتها بوضوح لكي لا تتهم بالغموض و أن تخفيها فتكون مدسوسة ذائبة في ثناياها لكي لا تتهم بالمباشرة و الخطابية .. و أما نقطتا التقائها مع الصحافة فحرصها على الحياد و ترك حرية تحديد الموقف من الرسالة المقدمة للمتلقي .. و حرصها على تقديم وجهات النظر المتعددة و خلق مناخ من الجدل و النقاش و تجنب النظرة الأحادية الحادة
و تتمثل الرسالة المقدمة في حزمة من القيم منها ما يراها المتلقي خيرة و مستحبة ومنها ما يراها على العكس من ذلك .. و أؤكد هنا على عبارة (يراها المتلقي) .. فإذا قدمت القيم مصنفة كما يراها المبدع لا كما يراها المتلقي فقد خسرت الدراما نقطتي الصحافة على الأقل و وقعت في النظرة الأحادية و هي خسارة ثقيلة تهبط بسببها إلى دوري الأعمال السطحية الدعائية
نقاط باب الحارة
وفق هذا المنظور يمكننا أن نتفحص الرسالة المقدمة في مسلسل باب الحارة و التي جعلته من أكثر المسلسلات مشاهدة و شعبية كما يتردد في وسائل الإعلام .. دون إغفال لأهمية خدم الفكرة أو الرسالة و هؤلاء الخدم يتمثلون في الأدوات الفنية التي سخرت لتقديم هذه الرسالة من إجادة التمثيل و إدارة كاميرات التصوير و جودة الإخراج عموما و هي أدوات كانت على مستوى عال من الحرفية .. لكن جمال الخادم لا يغني شيئا إذا كان سيده قبيحا .. بل إن جماله سيخلق مفارقة ليست في صالح السيد على كل حال
لم نجد في هذا المسلسل بأجزائه الثلاثة تعددا لوجهات النظر و قد قدمت القيم كما يراها مبدع المسلسل و لم تترك للمشاهد فرصة ليفكر و يختار: فأبو غالب سيء .. لماذا ؟ و ما وجهة النظر التي يمكن أن تتدافع عنه ؟ لا نجد من شيئا ذلك .. و لم تغفر له حتى مشاركته في نهاية الجزء الثاني في الحملة لإنقاذ الأسرى من حارة الضبع .. و أبو بدر تافه .. لماذا؟ و ما وجهة نظره؟ .. لم يمنح الفرصة ليدافع عن نفسه بل أجبر على أن يقدم نفسه بأسلوب كاريكاتيري مبالغ فيه .. و معتز و أبو شهاب مثال الشهامة و النخوة دون أن يعطى المشاهد فرصة لمناقشة مفهوم النخوة و الشهامة بإثارة نقاش حول هذه المفاهيم و غيرها .. باختصار لا وجود لوجهة النظر الأخرى أو لا يوجد صراع بين وجهات النظر .. و لذا أخشى أن المسلسل قد خسر النقطتين الثمينتين
و لا ننسى أن المسلسل يتناول مكانا و زمانا تم تناولهما كثيرا في السنوات الأخيرة من قبل الدراما السورية و هما الحارة الشامية في زمن الاحتلال الفرنسي و أخشى أيضا أنهما قد استهلكا أو أنهما على وشك الاستهلاك .. و يبدو أن للمسلسل جزءا رابعا و هو ما سيساهم سريعا في صرف النظر عن الحارة و أهلها و سيكون بمثابة الضربة القاضية
بين تقديم الواقع و التغني به
قبل الحديث عن أهم القيم التي احتواها هذا العمل أنبه هنا و لسوف أكرر التنبيه أكثر من مرة على أنه ثمة فرق بين تقديم الواقع بحيادية دون تعليق أو تقديمه بتعليقات درامية متنوعة و بين تقديمه بوجهة نظر وحيدة تقتصر على التغني أو التنفير .. و من بين القيم التي تم التغني بها في هذا العمل :
1 ــتمجيد الرشوة : حيث رأينا كبار الحارة و رموزها الخيرة رموز الشهامة و النخوة و هم يقدمون الرشوة لأبو جودت و إحساسهم بالفخر و هم يظفرون منه بما يريدون من إفراج عن موقوف عنده أو ما شابه ذلك .. و تمجيد الآخرين لما فعله هذا الراشي أو ذاك .. و حتى عندما عجز أبو الحكم بسبب فقره عن منافسة أبو عصام فقدم إفطارا متواضعا لأبو جودت في حادثة اعتقال أبو غالب و معتز قدم الأمر بطريقة جعلتنا نضحك من أبو الحكم لا أن نتعاطف معه .. و نعجب بأبو عصام لا أن ننتقده
2 ــ تمجيد كتمان الشهادة : فكبار الحارة حتى الشيخ عبدالعليم أيقونة الدين و التدين يعرفون من قتل أبو سمعو و مع ذلك يفاخرون بكتمانهم الشهادة .. و حتى عندما طلب أبو حاتم من أبو شهاب و الشيخ عبدالعليم الكشف له و لسمعو عن اسم القاتل فإنه فعل ذلك ليس بدافع الحرص على قول الحق بل اتقاء لشر أبو جودت و لاعتقاده بأن القاتل من خارج الحارة .. و للتوفيق بين الرغبتين : الرغبة في عدم كتمان الشهادة و الرغبة في عدم تمكين أبو جودت مما يريد كان بالإمكان الكشف لسمعو بطريقة ما عن اسم قاتل أبيه قبل أن يلجأ للقضاء و لأبو جودت حتى و إن أدى ذلك للتضحية بالحبكة إذ يمكن الحصول على حبكة بديلة لا تقل إثارة عن المضحى بها .. أو على الأقل مناقشة ما حدث في المسلسل مناقشة درامية تبين و جهات النظر المختلفة حول إشكالية كتمان الشهادة و الوفاء بالعهد .. و لكن النية على العكس من ذلك وفق العهد للزعيم أبو صالح كانت عدم الكشف نهائيا عن اسم القاتل و دون مناقشة
3 ــ تمجيد ثقافة الحريم و إخضاع المرأة : و هي ثقافة بلغ من هيمنتها أن النساء أنفسهن صرن أحرص من الرجال على تكريسها .. ففوزية مثلا تتذمر من أبو بدر لأنه لا يضربها .. و المسلسل يقدم أبو بدر هذا مثالا للتفاهة .. و كأنه يتعاطف من جانب آخر مع وجهة نظر فوزية .. أن مشهد أم حاتم و هي تستعرض بناتها أمام كل من جاءت تخطب إحداهن لابنها دليل واضح على تحول المرأة إلى سلعة للعرض و الطلب
4 ــ الإعلاء من شأن الطبقية : حيث قسم مجتمع الحارة إلى طبقة نبيلة لأنها غنية بسبب التجارة و طبقة فقيرة مسحوقة لا يلتفت إليها و لا تحلم حتى مجرد الحلم بمصاهرة الطبقة الغنية و إن سمح لها بالمصاهرة فبطريقة لا تخلو من استغلال .. و قد تم التغني بمناقب النبلاء .. و كل شخص ينظر إليه بناء على انتمائه لهذه الطبقة أو لتلك إلا فيما ندر
5ــ تمجيد الاستقواء على الضعفاء : فقد تعرض أبو غالب للضرب من معظم أبناء الطبقة النبيلة و لم يكن ثمة فرصة ليدافع عن نفسه أمام المشاهد أو لمحاولة احتوائه من قبل المجتمع .. بل إنه عوقب على أتفه الأسباب مثلما حدث حينما لم يوقظ البعض أثناء عمله كمسحراتي و كأنه قد ارتكب جريمة كبرى .. و كأن عمل المسحراتي على هذه الدرجة من الأهمية أو كأن الناس قد تجرعوا كمية من الحبوب المنومة أو أنهم يمارسون في نهارهم أعمالا شاقة فهم في حاجة لمن يوقظهم .. بينما كل الذين تذمروا من أبو غالب بسبب هذه الغلطة تجار تنابلة .. إنه البحث عن مبرر حقيقي أو زائف لضرب أبو غالب ليس إلا و كأن حالة من السادية قد تلبست هؤلاء النبلاء رموز الشهامة و النخوة .. إن أبو عصام لا يتورع و هو أيقونة الرحمة و التسامح و الحلم عن ضرب أبو غالب و لكنه يصبر على كل ما تلقاه من كبار الحارة من إهانات مما يجعل حلمه موضع شك و تساؤل
6 ــ تمجيد الجهوية الضيقة : فقد مجد الانتماء للحارة و كره الغرباء و هؤلاء الغرباء ليسوا سوى أبناء الحارات المجاورة التي تخضع لمركز الشرطة نفسه.. إنه الانغلاق الشديد على الحارة لدرجة أن أبو حاتم لا يعرف شيئا عن امسلم الذي يعمل عنده لمدة تزيد عن عشر سنوات و لا يسأله إلا بعد أن قرر تزويجه من ابنته .. هذا إذا كان امسلم قد جاء من حارة أخرى أما إذا كان من حارة الضبع فهذا معناه أن كل إنسان قد صار حارة بذاته .. و صبحي أو أبو عناد لا تعلم عنه حارته الأصلية شيئا بعد أن تركها و لا تعرف عنه حارته الجديدة شيئا و قد مكث بها عدة سنوات كما لو أنه قد جاءها من بلاد بعيدة لا من حارة مجاورة تتبع مركز الشرطة نفسه .. و اقتصرت العلاقة بين الحارات على الجوسسة و المعارك التي غالبا ما تكون بسبب سوء الفهم.. إن الحارة هنا أشبه بالجيتو اليهودي .. قد يكون هذا حال الحارة الشامية في تلك الحقبة ليس الاعتراض على هذا بل على تمجيده و التغني به
7ــ تمجيد المقاومة : و لكن هذه القيمة ضلت غريبة و نشازا في ظل تمجيد الجهوية التي تغلب الحارة على الوطن بينما المقاومة تغلب الوطن على الحارة .. و هذا ما حاول الحوار الذي جاء على لسان أبو عصام في الجزء الثاني أن يعالجه.. و هي محاولة لا تكفي لإخفاء نشاز هذه القيمة .. فالاتساق و التناسق بين القيم ضل غائبا
8 ــ اختلاط الشهامة بالنفعية و الانتهازية : فأبو خاطر يزوج أبنته الخرساء الصماء لأجيره لاعتقاده بأنها لن تحظى بزوج من طبقة النبلاء و قد قدم الأمر كما لو كان شهامة و هو في الواقع تم بدافع المصلحة ليس إلا .. و كذلك الحال مع أبو حاتم حينما عرض على أجيره تزويجه من ابنته التي خشي أن يفوتها قطار الزواج
ثمة قيم أخرى تم تمجيدها مثل إظهار القوة و الفتوة و التصدق على الفقراء و الحرص على أمن الحارة و الصدق في اليمين و هذه الأخيرة تتعارض مع كتمان الشهادة و هو ما يؤكد على غياب الاتساق في الطرح .. و قد قدمت كلها وفق منظور أحادي يغلب عليه طابع الوعظ و التغني .. و من البديهي أن القيم المنفر منها هي القيم التي تكون على العكس من القيم الممجدة .. و الشخصيات مقسمة بحدة و نمطية على أساس هذا التقسيم الحاد للقيم .. فكل شخصية تعمل بمثابة أيقونة لقيمة معينة .. ربما الحالة الوحيدة التي قدمت وفق وجهات نظر متعددة و في إطار من الجدل و النقاش هي حالة موران حينما مارست عمل الخياطة و إن تم ذلك بسرعة دون أن تعطى حقها من النقاش خاصة و أنها حالة تتعلق بموضوع بالغ الأهمية و هو العمل عموما و عمل المرأة خصوصا
قد يقول قائل : إنما حاول المسلسل أن يقدم واقعا .. هذا القول يمكن قبوله لو توفر مناخ الجدل و النقاش و تقديم وجهات النظر المتعددة و وقف المبدع مما يقدم على الحياد .. و لكن الذي حدث أنه بدل الصراع بين وجهات النظر وجدنا التغني الصريح بقيم معينة و التنفير الصريح من قيم أخرى
المخرج الخاطبة
تسخر الدراما السورية ويسخر نجومها من الدراما المصرية .. و في الواقع ينبغي الاعتراف باختلاف نوعي بين الاثنتين و هو لصالح السورية بالطبع .. و أهم سمات الدراما المصرية هي غلبة مادة (قوز و زوق) و مشتقاتهما على الحوار .. فحينما تشاهد مسلسلا مصريا مهما كان نوعه : تاريخيا كان أم يدور حول الجوسسة أم المخدرات أم التطرف أم كان بوليسيا .. عليك أن تعد النساء غير المتزوجات في الحلقة الأولى لتعرف كم حفل زواج عليك أن تتحمل حتى ينتهي المسلسل و من ثم تقرر المتابعة أو التوقف .. فموضوعة الزواج أساسية في الدراما المصرية و تعمل كعنصر فاعل في مجريات الأحداث و تعمل في الحبكة بل أحيانا تقتصر الحبكة على هذه الموضوعة بالذات .. هذا المأزق المصري وقع فيه باب الحارة أيضا و صار علينا أن نبحث عن أزواج لبنات أبو حاتم و كل بنات الحارة .. و صار على المخرج أن يجيد دور الخاطبة و يطمئن إلى زف كل البنات إلى أزواجهن قبل نهاية الحلقة الأخيرة
سر شعبية هذا المسلسل
أرى أن سر شعبية هذا المسلسل يكمن في المبرر النفسي الذي منحه لمشاهديه لتجميل أو تقبل السائد .. فمجتمعنا العربي الحالي تسوده الرشوة و استعلاء القوي و الغني على الفقير و الضعيف .. و الدعوة لتغليف المرأة و دسها كما يدس المتاع و ممارسة العنف ضدها .. و تجميل الطبقية التي جاءت من استحواذ فئة قليلة بأساليب غير مشروعة في الغالب على معظم ثروة المجتمع و ترك الأغلبية ليشكلوا الجماهير الغفيرة الكادحة .. (و كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) .. و قبله و بعده هذا الصعود المخيف للقبلية و الطائفية في المجتمع العربي بما تمثله من انغلاق .. و من ثم وجد الفقير الضعيف من خلال هذا المسلسل المبرر لكونه هكذا و استساغه و اتخذ من عبدو مثالا يحتذى .. و وجد الغني المبرر لكونه كذلك و حمد الله على نعمته و فضله .. و صار كل راش يرى في أبو عصام مثلا أعلى و كل كاتم للشهادة يرى في أبو شهاب نبراسا منيرا .. و قبلت المرأة بالدعوة لدسها و تسليعها و اتخذت نساء الحارة قدوة و أسوة لها .. و لم يعد الانغلاق القبلي أو الطائفي مما يخجل منه و لنا في جيتو الحارة خير سلف لخير خلف .. و لا بأس بقليل من الحديث عن المقاومة فهذا مما يسود المجتمع العربي الحالي أيضا
اللغة إحساس
عاملت الكنية (أبو) كما ترددت في المسلسل باعتبارها كلمة غير قابلة للتغيير.. فلم استخدم مثلا (أبي عصام) في موضع الجر و لا (أبا عصام) في موضع النصب لإحساسي أنني لو فعلت ذلك لبدا لنا هذان الاسمان كما لو أنهما اسمان لشخصين آخرين غريبين عنا .
كتبها عبدالله هارون عبدالله في 08:00 مساءً ::
الاسم: عبدالله هارون عبدالله
